الشوكاني
38
فتح القدير
في قلوبهم مرض ) أي شك ، وهم المنافقون ( ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت ) أي ينظرون إليك نظر من شخص بصره عند الموت لجبنهم عن القتال وميلهم إلى الكفار . قال ابن قتيبة والزجاج : يريد أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم وينظرون إليك نظرا شديدا كما ينظر الشاخص بصره عند الموت ( فأولى لهم ) قال الجوهري : وقولهم أولى لك تهديد ووعيد ، وكذا قال مقاتل والكلبي وقتادة . قال الأصمعي : معنى قولهم في التهديد أولى لك أي وليك وقاربك ما تكره ، وأنشد قول الشاعر : فعادى بين هاذيتين منها * وأولى أن يزيد على الثلاث أي قارب أن يزيد . قال ثعلب : ولم يقل في أولى أحسن مما قاله الأصمعي . وقال المبرد : يقال لمن هم بالغضب ثم أفلت أولى لك : أي قاربت الغضب . وقال الجرجاني : هو مأخوذ من الويل : أي فويل لهم ، وكذا قال في الكشاف . قال قتادة أيضا : كأنه قال العقاب أولى لهم ، وقوله ( طاعة وقول معروف ) كلام مستأنف : أي أمرهم طاعة ، أو طاعة وقول معروف خير لكم . قال الخليل وسيبويه : إن التقدير طاعة وقول معروف أحسن وأمثل لكم من غيرهما . وقيل إن طاعة خبر أولى ، وقيل إن طاعة صفة لسورة ، وقيل إن لهم خبر مقدم وطاعة مبتدأ مؤخر ، والأول أولى ( ( فإذا عزم الأمر ) عزم الأمر جد الأمر : أي جد القتال ووجب وفرض ، وأسند العزم إلى الأمر وهو لأصحابه مجازا ، وجواب إذا قيل هو " فلو صدقوا الله " وقيل محذوف تقديره كرهوه . قال المفسرون معناه إذا جد الأمر ولزم فرض القتال خالفوا وتخلفوا ( فلو صدقوا الله ) في إظهار الإيمان والطاعة ( لكان خيرا لهم ) من المعصية والمخالفة ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) هذا خطاب للذين في قلوبهم مرض بطريق الالتفات لمزيد التوبيخ والتقريع . قال الكلبي : أي فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم . وقال كعب ( أن تفسدوا في الأرض ) أي بقتل بعضكم بعضا ، وقال قتادة : إن توليتم عن طاعة كتاب الله عز وجل أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء وتقطعوا أرحامكم . وقال ابن جريج : إن توليتم عن الطاعة ، وقيل أعرضتم عن القتال وفارقتم أحكامه . قرأ الجمهور " توليتم " مبنيا للفاعل ، وقرأ علي بن أبي طالب بضم التاء والواو وكسر اللام مبنيا للمفعول ، وبها قرأ ابن أبي إسحاق وورش عن يعقوب ، ومعناها فهل عسيتم إن ولى عليكم ولاة جائرين أن تخرجوا عليهم في الفتنة وتحاربوهم وتقطعوا أرحامكم بالبغي والظلم والقتل . وقرأ الجمهور ( وتقطعوا ) بالتشديد على التكثير ، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه وسلام وعيسى ويعقوب بالتخفيف من القطع يقال : عسيت أن أفعل كذا ، وعسيت بالفتح والكسر لغتان ، ذكره الجوهري وغيره ، وخبر عسيتم هو أن تفسدوا ، والجملة الشرطية بينهما اعتراض ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى المخاطبين بما تقدم وهو مبتدأ وخبره ( الذين لعنهم الله ) : أي أبعدهم من رحمته وطردهم عنها ( فأصمهم ) عن استماع الحق ( وأعمى أبصارهم ) عن مشاهدة ما يستدلون به على التوحيد والبعث وحقية سائر ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والاستفهام في قوله ( أفلا يتدبرون القرآن ) للإنكار ، والمعنى : أفلا يتفهمونه فيعلمون بما اشتمل عليه من المواعظ الزاجرة والحجج الظاهرة والبراهين القاطعة التي تكفي من له فهم وعقل وتزجره عن الكفر بالله والإشراك به والعمل بمعاصيه ( أم على قلوب أقفالها ) أم هي المنقطعة : أي بل أعلى قلوب أقفالها فهم لا يفهمون ولا يعقلون . قال مقاتل : يعني الطبع على القلوب والأقفال استعارة لانغلاق القلب عن معرفة الحق ، وإضافة الأقفال إلى القلوب للتنبيه على أن المراد بها ما هو للقلوب بمنزلة الأقفال للأبواب ، ومعنى الآية أنه لا يدخل في قلوبهم الإيمان ولا يخرج منها الكفر والشرك ، لأن الله سبحانه قد طبع عليها ، والمراد بهذه القلوب قلوب هؤلاء المخاطبين . قرأ الجمهور " أقفالها " بالجمع ، وقرئ " إقفالها " بكسر الهمزة على أنه مصدر كالأقبال ( إن الذين ارتدوا